مشكلة تعريف الفساد .. الأزمة والأسباب

أحيانا تكون المشكلة فى تناول ظاهرة ما ، تتلخص فى عدم الإتفاق على تعريف الظاهرة ! ، وإذا كان هذا الأمر قلما نقابله فى الظواهر الطبيعية ، وإن ظهرت فسرعان ما تختفى نظرا للوصول إلى تعريف موحد للظاهرة وبالتالى التوافر على دراستها بصورة تتوافر معها البحوث العلمية الجادة ، وصفا وتحليلا والسيطرة على متغيراتها ، فى محاولة للإستفادة منها فى الجوانب التطبيقية التى تعود بالنفع على المجتمعات قاطبة أو السيطرة على أثارها الضارة إن وجدت .

وليس الأمر كذلك فى الظواهر الإجتماعية ، حيث غياب التعريف العام للظاهرة ، ومحاولة القول بانها تختلف بإختلاف ثقافة المجتمع ، بصورة تطول دراستها ، وعدم التحكم فى متغيراتها ، وبالتالى يعمق من فعلها الضار على المجتمعات إن كانت ضارة ، أو عدم إستغلالها الإستغلال الأمثل لصالح المجتمعات إن كانت ذات نفع وجدوى ، ويظل الأمر كذلك إلى أن يتم التوافق حولها ، وتقترب لأن تكون محل بحث مثلها مثل الظواهر الطبيعية ، وذلك بالتحكم فى متغيرتها من خلال السيطرة عليها .

<!--تشخيص الأزمة

والفساد كظاهرة تنتمى للنوع الثانى من الظواهر الإجتماعية ، كلما قرأت عنه ،  وجدت من يحدثك عن تعريف الفساد لغة وإصطلاحا ، ويذهب بك لتعاريف متعددة لا تستند لرؤية عامة فى التعريف بحيث تمثل فى النهاية مرجعية يمكن أن تقاس عليها الفاسد من المصلح ، ومنها من يذهب لتعريف الفساد  بأعراضه ، فإن كان فسادا فى الإدارة أطلق عليه فسادا إداريا ، وإن كان فسادا إقتصاديا أطلق عليه الفساد الإقتصادى ...إلخ ، وهذا يختلف من مجتمع إلى أخر ، وما يكون فسادا إداريا فى مجتمع ما فلا يعد فسادا فى مجتمع أخر ، فقد ربط التعريف بثقافة المجتمعات مما نتج عنه وجود ثغرات ينفذ منها الفاسد بفساده من خلال التغير فى حيز الفساد جغرافيا والهروب من العقاب ، وكانت الطامة الكبرى أن البعض ذهب لتعريف الفساد بناءا على معيارية الرأى العام !! ، وبالتالى يكون الفعل فاسد إذا كان هناك رأى عام ضده ، ولا يكون فاسدا إن كانت هناك أقلية ترى ذلك ، غافلين فى المؤثرات على الرأى العام سياسيا وإعلاميا وجماعات الضغط والمصالح ، ودور كل هذا وتأثيره فى الرأى العام .

ومن العجيب أن ترى مؤلفات مؤلفة ، حول تاريخ الفساد وطرق مكافحة الفساد على مر التاريخ منذ القدم وحتى وقتنا الحاضر ، وإذا كانت هذه المؤلفات تشير للفساد فإنها تزيدك إرباكا فى فهم الفساد وطرق مكافحته ، ناهيك عن الأسلوب فى الكتابة والجنوح فى الإغراق بالفساد للمنطق الجغرافى بين المجتمعات المختلفة  ،  بل يمكن أن ترى فى هذه النظرة دور العادات والتقاليد فى عدم الإتفاق على فعل داخل المجتمع الواحد ، حتى إتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة الفساد عام 2003 أتت بتعريف الفساد من خلال بعض مظاهره كالرشوة والمتاجرة بالنقود وسوء إستغلال الوظيفة العامة والإثراء الغير مشروع وغسيل العائدات الإجرامية وإخفاء الممتلكات المتاتية من جرائم الفساد وإعاقة سير العدالة ، إضافة لأفعال المشاركة والشروع فى كل ما سبق من أفعال الفسادة المذكورة ، وهذا أمر جيد ووجه الإستفادة أن جعل مثل هذه الأفعال فاسدة بصورة تكاد تكون عالمية وعلى قدر الدول الموقعة على هذه الإتفاقية ، ولكن هل حوت الإتفاقية على تعريف جامع ومانع وعالمى للفساد ؟ لم تضع الإتفاقية هذا التعريف ولكنها إكتفت بهذه المظاهر فقط ، وبالرغم من ذلك نرى دولة مثل السويد تجرم الرشوة ، فى حين دول مثل فرنسا وإيطاليا تجعلها لغة تعبر عن الإمتنان والشكر !! .

<!--أسباب الأزمة

ولكن ما هى الأسباب التى أدت إلى وجود مثل هذه الأزمة فى التعريف ؟ ولعل فى هذا المقام يمكن أن نشير إلى أهم الأسباب التى تتلخص فى الأتى :

<!--غياب الإرادة العامة فى الوصول إلى وضع تعريف جامع ومانع للفساد ، وذلك لوجود الإرادات المعطلة للوصول لمثل هذا التعريف ، والإرادات المعطلة على المستوى المحلى والدولى كثيرة ، حيث تستفيد من هذه الوضعية فى تحقيق مآربها الفاسدة والإنتفاع قدر الإستطاعة من الأوضاع الراهنة فى غياب تعريف جامع ومانع للفساد .

<!--الخضوع للتشريعات الوضعية ، والتى تختلف من مكان لمكان أخر ، ومن زمن إلى زمن أخر ، بل تختلف من زمن إلى زمن أخر فى المكان الواحد ، هذه التشريعات الوضعية والتى هى من صنع الإنسان لم تتفق على تعريف واحد لفعل فاسد ، فما يعتبر فاسدا فى مجتمع يعد صالحا فى مجتمع أخر ، والأمثلة على ذلك كثيرة ولا يمكن حصرها بسهولة ، وبالتالى أمام هذه التشريعات الوضعية تتواجد الإرادات المعطلة لإستغلال الثغرات القانونية التى ينفذ منها الفساد بل تستخدم لتبرير الفساد ، وينتج عنها الهروب من الحيز المجرم للفساد إلى حيز أخر لا يجرمه ، وبالتالى ينشأ ما يمكن أن نطلق عليه التدويل الجغرافى المقنن  للفساد .

<!--عجز الإنسان المتأصل فى عدم الإحاطة التامة بوقائع الفساد التى تعد فسادا ، وهذا ما يمكن أن نطلق عليه عجز الإحاطة ، والذى يؤدى بدوره أن يتم الإستفادة من الأوضاع الراهنة وإستغلالها لفعل الفساد طلما لم تقنن أوضاعها بعد وبالتالى لا جريمة بل نص، ولا نص بدون وقائع لم يحط بها الإنسان خبرا.

<!--عجز الإنسان المتأصل فى صياغة وحبك المفردات اللغوية للمواد القانونية ، وهذا ما نطلق عليه عجز الصياغة ، والتى ينتج عنها وجود الثغرات المطاطية فى الكلمات والتى يتم التلاعب بها فى التبرير والدفاع عن الفساد ، وبالتالى الإفلات من العقاب .

<!--التعامل مع بعض وقائع الفساد على أنها أمر فطرى!! وطبعى من طبائع الإنسان ، بدلا من أن يكون مرضا عضالا لابد الإستشفاء منه بل وإستئصاله من جذوره وهو ما نطلق عليه فساد الفطرة.

وفساد الفطرة هو قمة الفساد فى الأرض حيث يتم إنعدامية التمييز بين القبح والجمال ، وينتفى معها الغايات النبيلة من وراء قصة الخلق والوجود .

وأمام هذه الأسباب كغياب الإرادة العامة ووجود الإرادات المعطلة وعجز الإحاطة والصياغة وفساد الفطرة ، سيظل تعريف الفساد ليس مشكلة فحسب بل أزمة على المستوى المحلى والعالمى ، وإلى أن يتم حل هذه الأزمة سيظل الأنسان يرزح تحت الفساد ، مكتويا بناره ، ومن لم يمت بناره ، سيكتوى بدخانه الذى يصل بالإنسان أن يموت خنقا .

وهذه الأسباب أسبابا مركبة ومرتبطة ببعضها البعض كل منها يمكن أن يكون سببا لما يأتى بعدها ، ونتيجة لذات السبب قبلها ، مما يخلق معه دوائر مفرغة حيث الحلقة الواحدة منها سببا لما بعدها ونتيجة لما قبلها ، وفى ظل هذه الدوائر المفرغة يسحق الإنسان سحقا بالفساد .

وأمام هذه الأزمة – أزمة التعريف للفساد – وبعد سرد أهم الأساب فأين يكمن الحل لهذه الأزمة ؟ وهذا ما سوف نتعرض له فى مقالة أخرى بمشيئة الله إن كان فى العمر بقية .

 

المصدر: حسين عبد العزيزعبده الحسانين
  • Currently 0/5 Stars.
  • 1 2 3 4 5
0 تصويتات / 47 مشاهدة
نشرت فى 22 فبراير 2026 بواسطة ayadina

تسجيل الدخول

عدد زيارات الموقع

20,897,638

التخطيط وتطوير الأعمال