"نظرية الصعوبات المادية غير المتوقعة"
وما يتشبه بها في النظام القانوني الأنجلو-ساكسوني
محمود محمد علي صبره
إستشاري الصياغة التشريعية للأمم المتحدة والبنك الدولي
في عقد لإنشاء خط أنابيب غاز، ظهرت في أثناء تنفيذ أعمال الحفر تُربة صخرية غير مُعتادة تختلف جذريا عن ما ورد في الدراسات التمهيدية ولم يكن من المُمكن توقعها وقت التعاقد ترتب عليها تحميل المقاول أعباء كبيرة وخسائر فادحة لكنها لا تحول دون التنفيذ. فهل يستحق المقاول تعويضا عن هذه الخسارة؟ وهل التعويض يكون عن كل الخسارة أم عن جزء منها فقط ؟ وما النظرية التي يستند إليها المقاول في المطالبة بالتعويض؟
إن أول ما يتبادر إليه الذهن هو "نظرية الظروف الطارئة"، وما يُعد تطبيقا إداريا لها مثل "نظرية الحوادث الاستثنائية العامة"، باعتبار أن كل الشروط الواجب توافرها فيهما متوافرة في الواقعة الماثلة. فالحادث استثنائي (غير عادي)، وغير مُتوقع، ومُرهق بشكل كبير، ولا يجعل التنفيذ مستحيلا. لكن، في الواقعة الماثلة، استقر القضاء الإداري المصري على تطبيق نظرية أخرى تُسمى "نظرية الصعوبات المادية غير المتوقعة". ورغم أنها، عمليا، تُعد تطبيقا إداريا لنظرية الظروف الطارئة، وأن القضاء يتدخل في كلتا الحالتين لإعادة التوازن العقدي، فإن التفريق بين النظريتين مُهم جدا لأن الخلط بينهما يؤدي إلى خطأ في التكييف القانوني، ومن ثم، خطأ في نوع التعويض المُستحق. ومن الأخطاء الشائعة في هذا السياق، تكييف الحوادث التي تقع ضمن "نظرية الصعوبات المادية" على أنها صورة من صور تلك التي تندرج تحت "نظرية الظروف الطارئة" في حين أنهما ليستا من جنس واحد.
وتُطبَّق "نظرية الصعوبات المادية غير المُتوقعة"، بشكل خاص، عندما يواجه المُتعاقد صعوبات مادية بحتة استثنائية في موقع التنفيذ لم يكن من المُمكن توقعها عند التعاقد. ومن أمثلة ذلك، وجود طبقات صخرية لم تظهر في الدراسات التمهيدية؛ وجود مياه جوفية بكثافة غير عادية؛ ظهور عوائق طبيعية خفية في التربة؛ اكتشاف مرافق مدفونة غير معلومة، مثل: خطوط كهرباء، مواسير غاز؛ اكتشاف مُخلفات خطيرة؛ حدوث هبوط أرضي، إلخ. ويؤدي ظهور هذه الصعوبات إلى تحميل المقاول نفقات ضخمة وتُزيد من أعبائه بشكل كبير. وتظهر هذه النظرية في عقود الفيديك التي تنص على حق المقاول في التعويض إذا واجه ظروفا غير متوقعة في موقع تنفيذ المشروع.
وتتشابه النظريتان في أن كلاهما يفترض وقوع حادث استثنائي (غير عادي)، وغير متوقع، لكن يُمكن التنفيذ رغم أنه مُرهق بشكل كبير، والهدف في الحالتين إعادة التوازن المالي للعقد، ومجال التطبيق يتم في العقود الإدارية. وأساس تطبيق هذه النظرية هو نفسه أساس تطبيق نظرية "الظروف الطارئة" وهو أن المُتعاقد يجب ألا يتحمل وحده الأعباء الاستثنائية غير المُتوقعة التي تخرج عن المخاطر التي يتحملها في الظروف العادية. وتطبيقا لذلك، قضت المحكمة الإدارية العليا في مصر بأنه "يُشترط في "نظرية الصعوبات المادية" أن تكون الصعوبات غير مألوفة ولا يمكن توقعها عند التعاقد وإلا دخلت في مخاطر المقاول." (طعن رقم 2116 ق.، جلسة 13/2/1993).
لكن، تكمن أوجه الاختلاف بينهما في نطاق الحادث؛ فبينما يكون عاما في حالة الظروف الطارئة، يكون في حالة "الصعوبات المادية" خاصا مُرتبطا بموقع المشروع ويتمثل في وجود عائق مادي. وتطبيقا لذلك، قضت المحكمة الإدارية العليا بأن "التفرقة بين الظروف الطارئة والصعوبات المادية أساسها نطاق التأثير؛ فإن كان عامًا فهي ظروف طارئة، وإن كان خاصًا بالموقع فهي صعوبات مادية." (طعن رقم 2956 لسنة 36 ق.، جلسة 18/4/1992).
وبينما يكون نوع الحادث في حالة "الظروف الطارئة" اقتصادي أو سياسي أو تشريعي، يكون في حالة "الصعوبات المادية" طبيعي أو جيولوجي يرتبط بظروف موقع التنفيذ، ويقع عبء الإثبات فيها على المقاول وحده بناء على نصوص العقد غالبا. وبينما لا يتطلب الظرف الطارئ من الطرف المُتأثر به إثباتا خاصا لأن الحادث عام، يقع عبء الإثبات في حالة الصعوبات المادية على المقاول. وبينما يترتب على الأولى تعويض المقاول جزئيا فقط، يترتب على الثانية التعويض الكامل لأن الحادث يخرج تماما عن نطاق المخاطر المُعتادة للمقاول، ويشمل التعويض تعديل قيمة العقد وتمديد مدة التنفيذ لكن لا يؤدي تطبيقها إلى إنهاء العقد أو الإعفاء الكامل من التنفيذ.
ويُشترط لتطبيق نظرية "الصعوبات المادية" وجود اختلاف جوهري غير متوقع وغير مُعتاد في ظروف الموقع، وأن يكون المقاول قد اعتمد على مستندات العقد، وألا يكون قد قَبِل تحمل تبعة حدوثها صراحة، وأن يكون هناك ارتباط مباشر بين العوائق التي واجهها تنفيذ المشروع والأعباء الكبيرة التي تحملها المقاول. وتطبيقا لذلك، قضت المحكمة الإدارية العليا بأنه "يُشترط لتطبيق نظرية الصعوبات المادية غير المتوقعة أن تكون ناشئة عن طبيعة الموقع ذاته وليست نتيجة سوء تقدير المقاول." (طعن رقم 4007 لسنة 44 ق.، جلسة 6/5/2000). ومن ثم، فإن ارتفاع تكلفة التنفيذ لا يكفي وحده لتطبيقها، بل يجب أن يكون سبب الإرهاق راجعا إلى ظروف مادية كامنة في موقع تنفيذ المشروع ذاته. وربما يُفسر ذلك أيضا سبب عدم تطبيق هذه النظرية في حال ارتفاع أسعار مواد البناء وطلب صرف فروق الأسعار (طعن جلسة 16/11/1999).
وعلى عكس نظرية "الظروف الطارئة" التي لا يترتب عليها سوى التعويض الجزئي، يستحق المُتعاقد عند تطبيق نظرية "الصعوبات المادية" التعويض الكامل بقدر الأعباء الإضافية. وتطبيقا لذلك، قضت المحكمة الإدارية العليا بأنه "إذا واجه المقاول صعوبات مادية استثنائية في التنفيذ لم يكن في الوسع توقعها، استحق تعويضًا كاملاً." (طعن رقم 426 لسنة 28 ق.، جلسة 7/1/1984). كذلك، قضت بأن "العوائق الطبيعية الخفية التي لا يمكن كشفها بالفحص المُعتاد تُخرج الواقعة من نطاق مخاطر المقاول." (طعن رقم 1163 لسنة 29 ق.، جلسة 16/3/1985). مُؤدى ذلك أن معيار عدم التوقع هو الرجل العادي وليس الرجل الحريص.
وتطبيقا لذلك، أقرت المحكمة الإدارية العليا حق المقاول في التعويض الكامل على أساس نظرية الصعوبات المادية عندما كانت الرسومات تُظهر تربة عادية، ثم ظهر أثناء التنفيذ تكوين صخري كثيف يتطلب معدات إضافية وحفارا خاصًا. كذلك، قضت بأحقية المقاول في التعويض بسبب زيادة أعمال النزح، وتعطل التنفيذ، وارتفاع تكاليف التشغيل، مادامت هذه الظروف لم تكن ظاهرة أو متوقعة فنيًا. واعتبرت، أيضا، أن "عدم إفصاح الجهة الإدارية عن المرافق القائمة تحت الأرض يُعد سببًا لتحميلها جانبًا من الأعباء الإضافية الناتجة عن تعديل طرق التنفيذ."
ويحدث الخلط بين النظريتين عندما يُطالب المقاول بتعويض كامل عن خسائره على أساس "نظرية الصعوبات المادية غير المتوقعة"، بينما تقضي المحكمة بتعويض جزئي فقط على أساس أن الواقعة المنظورة تندرج تحت نظرية "الظروف الطارئة" التي تُجيز للقاضي التدخل لرد الالتزام إلى الحد المعقول وليس للتعويض الكامل.
وتتقاطع النظريتان مع نظرية "الظروف الشاقة" hardship theory التي ظهرت بصيغتها الحديثة في العقود الدولية، خصوصا في عقود الطاقة، وعقود الفيديك للإنشاءات، وعقود الاستثمار. وتُعد خليطا من الفلسفة اللاتينية التي تقوم على فكرة "التوازن العقدي"، من جهة، وفكرة المرونة في النظام الأنجلو-ساكسوني التي تقوم على مبدأي "حرية الإرادة" و "آلية إعادة التفاوض"، من جهة أخرى. وفي النظام الأنجلو-ساكسوني، لا يكفي الإرهاق وحده للمطالبة بتطبيق هذه النظرية، لأن الأمر في معظم الأحوال يتوقف على تخصيص التبعات بين الطرفين في العقد.
وتُطبَّق نظرية "الظروف الشاقة" عندما يُصبح تنفيذ العقد أكثر كُلفة لأحد الطرفين، لكن ذلك لا يُجيز له التوقف عن تنفيذ التزاماته. ويُشترط لتطبيقها أن يعلم الطرف الذي تسري عليه بالحادث بعد إبرام العقد، وألا يكون من المُمكن توقع حدوثه عقلا عند إبرامه، وأن يكون خارجا عن نطاق سيطرته، وألا يكون قد تحمل في العقد تبعة حدوثه. "ويترتب على وقوع الحادث الحق في طلب إعادة التفاوض بشرط أن يُقدم طلبا مُسببا دون تأخير غير مبُرر مع الاستمرار في تنفيذ العقد. وإذا لم يتم التوصل إلى اتفاق خلال مدة معقولة، يحق لأي من الطرفين اللجوء إلى القضاء. ويجوز للقاضي في حال توافر حالة الظروف الشاقة إنهاء العقد وفقاً للشروط التي يتم تحديدها، أو تطويعه بالتعديل بهدف إعادة التوازن بين التزامات الطرفين." (مادة-6 من مبادئ اليونيدروا). مؤدى ذلك، انه على عكس نظرية الظروف الطارئة، تُتيح هذه النظرية للمُتعاقد أن يطلب إعادة التفاوض، وتُجيز للقاضي أن يُنهي العقد وفقا للشروط التي يتم تحديدها.
كذلك، تتقاطع نظرية "الصعوبات المادية غير المتوقعة" مع نظرية "تغير ظروف الموقع" changed site conditions في النظام الأنجلو-ساكسوني، وقد نشأت هذه النظرية في الولايات المتحدة في العقود الحكومية وانتقلت إلى العقود الدولية، خصوصًا، عقود "الفيديك" والأنظمة الحديثة في إدارة المشروعات. وتُعد هذه النظرية بمثابة آلية تعاقدية تُتيح للمقاول المطالبة بتعديل السعر وتمديد مدة العقد إذا تبيّن أن ظروف الموقع الفِعلية مُغايرة بشكل جوهري لما ورد في الرسومات أو المواصفات أو لما كان متوقعًا بشكل معقول عند التعاقد. ورغم أن القضاء المصري لا يستخدم مصطلح "تغير ظروف الموقع"، فإنه يُطبّق فِعليا هذه النظرية من خلال نظرية "الصعوبات المادية غير المتوقعة".
وتتمثل أوجه التشابه بين النظريتين في أن الحادث فيهما استثنائي، وغير متوقع، ويرتبط بحدوث عوائق مادية في موقع المشروع تجعل التنفيذ مُرهقا، وأن المقاول قد اعتمد على مستندات العقد ولم يتحمل تبعة الحادث، وتحمل تكلفة كبيرة أو تأخير في مدة تنفيذ المشروع، وأن الخطر يخرج عن المخاطر العادية التي يتحملها. ويترتب على تطبيق النظريتين تعديل قيمة العقد بحيث يتم تعويض المقاول بشكل كامل عن الخسارة الإضافية التي تحملها، وتمديد مدة التنفيذ، لكن لا يؤدي الحادث إلى إنهاء العقد أو الإعفاء الكامل من
وللتمييز بين "نظرية الظروف الطارئة" و "نظرية الظروف الشاقة"، من جهة، و "نظرية الصعوبات المادية" و "نظرية تغير ظروف الموقع"، من جهة أخرى، إذا كان الحادث عاما ولا يرتبط بموقع تنفيذ المشروع ويؤثر على قطاع بأكمله، تُطبق نظرية الظروف الطارئة، أما إذا كان خاصا ويرتبط بظروف موقع تنفيذ المشروع ويؤثر على المقاول فقط، تُطبّق "نظرية الصعوبات المادية" أو نظرية "تغير ظروف الموقع" على حسب القانون واجب التطبيق.
... تابعونا في مقالنا يوم الخميس القادم عن موضوع "نظرية القوة القاهرة وما يتشبه بها".

